سام الغباري
رسالة إلى تركي آل الشيخ !
2019-03-12 الساعة 17:58
سام الغباري

كأي معركة تاريخية ، يجب أن يقف المؤرخون أمامها طويلًا لإستنباط عِبرها وإستلهام فضائلها وضروراتها وأسسها ، كي لا تبقى البندقية وحدها شاخصة أمام ملايين الأعين الباحثة عن السلام ، وكيلا يخرج الجندي من معركته غارقًا في الدم بلا راوٍ يُحدث الناس عن ملحمته الأسطورية في الدفاع عن قيمه وثوابته .

 

في القرآن الكريم قال الله تعالى بجلاله وعظمته الشيء الجميل عن معارك الأنبياء والصالحين ، مؤكدًا حق المُهجّرين ﴿الَّذينَ أُخرِجوا مِن دِيارِهِم بِغَيرِ حَقٍّ ﴾ على القتال ، كما أجاز سبحانه وتعالى قتال البغاة حتى يفيئوا إلى أمر الله ، وأمره جل في علاه هو العدل والحق والمساواة والحرية والشورى ، قيم الأصالة الراسخة في الجذور والعالية في التسامي حد معانقة السماء .

 

تلك الوثائق التي تُجرّم الحرب ولا تغفر زلات القادة في إعلان القتال لا تنطبق على ما يجري في اليمن ، فكل عملية سلام حقيقي اُجهِضت بفعل التدميريين الذين أردوا اليمن أرضًا محروقة لا ينعق فيها سواهم بصرخة من ويل ، ودعوة للموت والفناء . فأين أصوات البلابل ؟

 

أين ملحمة اليمن والخليج الفنية ؟ ، وكترنيمة "فيروز" وهي تُغرد بصوتها الندي قائلة "الغنا سر الوجود" ، إنما قصدت أن الوجودية في الغناء هو بقاءه ، فالموسيقى لغة الإنسانية العابرة للأماكن والأزمنة واللغات المتعددة على إعوجاج الألسنة وتضاد اللهجات واختلافها .

 

عندما أتأمل لوحة أعمدة مأرب الشهيرة ، أفكر طويلًا في شموخ ابتلعته صحراء مارب ، كنز من القرون الماضية والمجد التليد يأبى الإندثار ، جسدٌ مدفون لتبابعة عظام يكشفون لنا عن أصابعهم الخمسة فتظهر على هيئة اعمدة صلبة تقاوم رياح التغيير القسري وتجريف الهوية الوطنية وحرفها بإتجاه الساسانية الإيرانية الحريصة على ابتلاع الحضارات العربية ودمغها بهويتها الاستعمارية .

 

في اليمن تدور ملحمة كُبرى لا تضاء لها الشموع ، حقوق أصيلة لأمة ناهضة في سبيل استعادة حضارتها السبئية واستلهام أصالتها ومعاصرتها معًا للولوج إلى مستقبل يفكر في شكل الدولة الحديثة بناء على قواعد عادلة ، في تلك اللحظة ، وثب الإماميون بأسلتحهم التي اختطفوها بالمكر والخديعة وصوبوها إلى صدر كل يمني لا يؤمن بخرافاتهم وأوهامهم السُلالية العنصرية .

 

حينها غادرت طائرات الجو العربية من حظائرها مُحلّقة على جناح طائر سبئي لتقصف أوكار التدميريين في محاولة ناجحة لإعادة التوازن المطلوب عسكريًا ، وتقديم العون الحربي إلى اليمنيين الذين فقدوا سلاحهم الوطني فجأة ، ذلك اليوم الذي أمر فيه الملك سلمان بن عبدالعزيز قواته العربية السعودية الذود عن حياض اليمن كان في أواخر مارس ٢٠١٥م ، وخلال أربعة اعوام لم تشهد المعركة العربية التاريخية مع أشقائهم في اليمن توثيقًا ملحميًا بالفن والموسيقى والصورة .

 

اليوم ، أضع الفكرة في يد المستشار الشاب تركي آل الشيخ رئيس هيئة الترفية بالمملكة العربية السعودية ، أقولها كيمني يرجو أن يرى عملًا فنيًا ضخمًا يوازي مثلًا أوبريت "الضمير العربي" ويقدم لحنًا عبقريًا خالدًا تشارك فيه الأصوات العربية من المحيط إلى الخليج ، فاليمن مثل فلسطين تشبهها في كل شيء ، حتى في تغريبتها القسرية عن هويتها وانتزاع أراضيها بفعل الاعداء الصهاينة الذين تسربوا إلى فلسطين الحبيبة ثم انطلقوا من داخلها لتفجير المنازل وتهجير القرى في أقسى مشاهد الإنسانية الدامية قتامة وسوداوية .

 

يجب ألا تخذلنا الموسيقى كما خذلتنا الأمم المتحدة التي تستهوي الإنحياز إلى الصهاينة بشقيهم الإسرائيلي أو الإيراني ، أولئك المقربون من أهوائها واهدافها . يجب ألا تبقى اليمن غريبة وبعيدة حتى على الألحان التي يمكن لها أن تؤثر في الضمير العالمي وتحفزه لإكتشاف تلك البقعة الحزينة في جنوب الجزيرة العربية وأنها بحاجة إلى الناي، كي تغني فقط .

 

- كاتب وصحافي من اليمن

 نقلا عن صحيفة الجزيرة السعودية

شارك برأيك
إضافة تعليق
الأسم
الموضوع
النص